أبي بكر الكاشاني

209

بدائع الصنائع

يترخص به أهل مكة من الحجل واليعاقيب ولا يدخل شئ منه في الحرم حيا لما ذكرنا أن الصيد إذا حصل في الحرم وجب اظهار حرمة الحرم بترك التعرض له بالارسال فان قيل إن أهل مكة يبيعون الحجل واليعاقيب وهي كل ذكر وأنثى من القبح من غير نكير ولو كان حراما لظهر النكير عليهم فالجواب ان ترك النكير عليهم ليس لكونه حلالا بل لكونه محل الاجتهاد فان المسألة مختلفة بين عثمان وعلي رضي الله عنهما والانكار لا يلزم في محل الاجتهاد إذا كان الاختلاف في الفروع وأما وجوب الجزاء بذبحه فلانه ذبح صيدا مستحق الارسال وأما فساد البيع فلان ارساله واجب والبيع ترك الارسال ولو باعه يجب عليه فسخ البيع واسترداد المبيع لأنه بيع فاسد والبيع الفاسد مستحق الفسخ حقا للشرع فإن كان لا يقدر على فسخ البيع واسترداد المبيع فعليه الجزاء لأنه وجب عليه ارساله فإذا باعه وتعذر عليه فسخ البيع واسترداد المبيع فكأنه أتلفه فيجب عليه الضمان وكذلك ان أدخل صقرا أو بازيا فعليه ارساله لما ذكرنا في سائر الصيود فان أرسله فجعل يقتل حمام الحرم لم يكن عليه في ذلك شئ لان الواجب عليه الارسال وقد أرسل فلا يلزمه شئ بعد ذلك كما لو أرسله في الحل ثم دخل الحرم فجعل يقتل صيد الحرم ولو أرسل كلبا في الحل على صيد في الحل فاتبعه الكلب فأخذه في الحرم فقتله فلا شئ على المرسل ولا يؤكل الصيد أما عدم وجوب الجزاء فلان العبرة في وجوب الضمان بحالة الارسال إذ الارسال هو السبب الموجب للضمان والارسال وقع مباحا لوجوده في الحل فلا يتعلق به الضمان وأما حرمة أكل الصيد فلان فعل الكلب ذبح للصيد وانه حصل في الحرم فلا يحل أكله كما لو ذبحه آدمي إذ فعل الكلب لا يكون أعلى من فعل الآدمي ولو رمى صيدا في الحل فنفر الصيد فوقع السهم به في الحرم فعليه الجزاء قال محمد في الأصل وهو قول أبي حنيفة رحمه الله فيما أعلم وكان القياس فيه أن لا يجب عليه الجزاء كما لا يجب عليه في ارسال الكلب لان كل واحد منهما مأذون فيه لحصوله في الحل والاخذ والإصابة كل واحد منهما يضاف إلى المرسل والرامي وخاصة على أصل أبي حنيفة رحمه الله تعالى فإنه يعتبر حال الرمي في المسائل حتى قال فيمن رمى إلى مسلم فارتد المرمى إليه ثم أصابه السهم مثلا أنه تجب عليه الدية اعتبارا بحالة الرمي الا انهم استحسنوا فأوجبوا الجزاء في الرمي ولم يوجبوا في الارسال لان الرمي هو المؤثر في الإصابة بمجرى العادة إذا لم يتخلل بين الرمي والإصابة فعل اختياري يقطع نسبة الأثر إليه شرعا فبقيت الإصابة مضافة إليه شرعا في الأحكام فصار كأنه ابتدأ الرمي بعدما حصل الصيد في الحرم وههنا قد تخلل بين الارسال والاخذ فعل فاعل مختار وهو الكلب فمنع إضافة الاخذ إلى المرسل وصار كما لو ارسل بازيا في الحرم فاخذ حمام الحرم وقتله أنه لا يضمن لما قلنا كذا هذا ولو أرسل كلبا على ذئب في الحرم أو نصب له شركا فأصاب الكلب صيدا أو وقع في الشرك صيد فلا جزاء عليه لان الارسال على الذئب ونصب الشبكة له مباح لان قتل الذئب مباح في الحل والحرم للمحرم والحلال جميعا لكونه من المؤذيان المبتدئة بالأذى عادة فلم يكن متعديا في التسبب فيضمن ولو نصب شبكة أو حفر حفيرة في الحرم للصيد فأصاب صيدا فعليه جزاؤه لأنه غير مأذون في نصب الشبكة والحفر لصيد الحرم فكان متعديا في التسبب فيضمن ولو نصب خيمة فتعقل به صيد أو حفر للماء فوقع فيه صيد الحرم لا ضمان عليه لأنه غير متعد في التسبب وقالوا فيمن أخرج ظبية من الحرم فادى جزاءها ثم ولدت ثم ماتت ومات أولادها لا شئ عليه لأنه متى أدى جزاءها ملكها فحدثت الأولاد على ملكه وروى ابن سماعة عن محمد في رجل أخرج صيدا من الحرم إلى الحل ان ذبحه والانتفاع بلحمه ليس بحرام سواء كان أدى جزاءه أو لم يؤد غير أنى أكره هذا الصنيع وأحب إلى أن يتنزه عن أكله أما حل الذبح فلانه صيد حل في الحال فلا يكون ذبحه حراما وأما كراهة هذا الصنيع فلان الانتفاع به يؤدى إلى استئصال صيد الحرم لان كل من احتاج إلى شئ من ذلك أخذه وأخرجه من الحرم وذبحه وانتفع بلحمه وأدى قيمته فان انتفع به فلا شئ عليه لأن الضمان سبب لملك المضمون على أصلنا فإذا ضمن قيمته فقد ملكه فلا يضمن بالانتفاع به وان باعه واستعان